ماكس فرايهر فون اوپنهايم
299
من البحر المتوسط إلى الخليج
المحترمين في المجتمع المتنامي شأنهم شأن التجار الذين كانوا يملكون في تدمر نفسها مخيمات كبيرة للترانزيت ومستودعات لتخزين جميع البضائع المطلوبة في الغرب والشرق . وبينما كانت شعوب الشرق الأدنى الأخرى تخوض حروبا متواصلة ضد بعضها البعض كانت تدمر تتطور بالعمل السلمي وقام مواطنوها بالتعبير عن الشكر للصنائع السلمية ، التي جعلت مدينتهم تنمو وتزدهر ، بنصب التماثيل وبناء النصب التذكارية وسمح للأفراد بوضعها في الأماكن العامة . هناك العديد من الكتابات والتماثيل في تدمر التي تمجد قادة القوافل والتجار الكبار وفي الكتابات وعلى الألواح الفخارية رسمت الإبل كتعبير عن أصل الثروة ومنشئها . ومع الثروة والرخاء ازدهر في تدمر الفن أيضا . فقد التقت هنا الحضارة الإغريقية مع حضارة الشرق . لكن الاتجاه الفني الإغريقي الروماني كان الطاغي . إذ وصل في تدمر وخاصة في فن العمارة إلى درجة من الفخامة والرقي لم يكن لها مثيل في العصر القديم في أي مكان آخر من العالم . كان التدمريون الأغنياء السعداء بما لديهم من ثروة يطلبون من المهندسين والمعماريين بناء صروح تفوق في عظمتها وجمالها كل ما كانت سورية قد عرفته حتى ذلك الحين ، وهكذا نشأت تلك الصروح المعمارية التي تبدو وكأنها قفزت قرونا إلى الأمام ووضعتنا في وسط عصر النهضة الحديث . كما أن الكمية الضخمة من الآثار المتبقية حتى اليوم والتي لا مثيل لها في أي مدينة قديمة أخرى تقدم دليلا على حب التدمريين للفخامة والأبهة . وتم استخدام فن النحت إلى أبعد الحدود ، فصنعت للأموات والأحياء تماثيل كاملة ونصفية ، ولإشباع هذا الميل بشكل أفضل اخترعوا قواعد حجرية يبلغ ارتفاعها ثلث ارتفاع الأعمدة التي تشكل الأروقة وزينوا بها الشوارع والساحات العامة واستخدموها لوضع صورا لمواطنين عليها . وكانت الصناعات اليدوية الفنية الدقيقة مزدهرة في تدمر ولها نقاباتها ومنظماتها الحرفية ، كما يتبين من الكتابات المنقوشة على الصخور ، وكانت صياغة الذهب والفضة وغيرها من فنون الديكور والزينة في غاية التطور .